حال الرياضة

هالاند.. هذا ما فعله السلمون والحليب

هالاند.. هذا ما فعله السلمون والحليب

دبي - هبه الوهالي - وُلد إرلينج براوت هالاند بعد عامين من آخر مرة وطأت فيها أقدام النرويجيين أرضًا تُلعب فيها كأس العالم، لينشأ في ظلال إرث معلق على حبال الانتظار، فوالده «ألفي» كان جزءًا من تشكيلة عام 1994 التي تجرعت مرارة الخروج من دور المجموعات في الولايات المتحدة ذاتها، ليكبر الفتى في وطن بارد يجيد إنجاب مهاجمين بارعين، لكنه عاجز عن الوصول لكأس العالم.
في عام 2019، اعترف هالاند بأن حلمه الأكبر ليس معانقة الذهب أو اعتلاء منصات التتويج الفردية، بل كان ببساطة يكمن في فك العقدة وإيصال النرويج إلى المحفل العالمي لإعادة كتابة تاريخ بلاده، وبعد 32 عامًا، وعلى الملاعب الأمريكية نفسها، كان والده يجلس في المدرجات والدموع تملأ عينيه، وهو يشاهد ابنه يحقق حلمه، فلم يكن إيرلينج مجرد لاعب عادي، بل غدا قائد الكتيبة البارعة التي حولت الحلم المستحيل إلى طقس روتيني صارم، إذ سحقت النرويج التصفيات بثمانية انتصارات متتالية دون تذوق طعم الهزيمة، مروضةً الطليان في مواجهتين تاريخيتين، لتسجل خطوط الهجوم 37 هدفًا، بينما لم تهتز الشباك النرويجية سوى خمس مرات، وهنا تجلى المشهد السينمائي الذي بدا وكأنه كُتب مسبقًا في دفاتر القدر، ففي آخر ظهور للمنتخب النرويجي عام 1998، نجح الفايكنج في إسقاط البرازيل للعبور إلى الأدوار الإقصائية، وبعد 28 عامًا من ذلك التاريخ، كرر أحفاد راغنار المعجزة وحطموا كبرياء السامبا مجددًا ليعبروا إلى ربع النهائي الأول في تاريخهم، لتسخر هذه المفارقة من تلك الأيام قبل أربعة أعوام فقط، حين ظهر إعلان ترويجي يصور هالاند وحيدًا وبائسًا في مقر تدريبات مانشستر سيتي الإنجليزي وهو يقطع العشب ويشاهد رفاقه يحزمون حقائبهم نحو البطولة من دونه، بينما سخر النقاد حينها من فكرة نضوج الكرة النرويجية، غير أن الآية انقلبت تمامًا اليوم، وأصبح نجوم العالم هم من يحزمون حقائبهم عائدين إلى بلدانهم محطمي الأحلام بعد أن دهستهم الآلة النرويجية، في حين لا يزال هالاند مستمرًا في المونديال.

التاريخ من الباب الواسع

لم يكن حفيد الغازي راجنار لوثبروك ليرضى أن يكون لاعبًا عاديًا، وكان جدة محاربًا غير عادي، في سن الخامسة انتزع رقمًا قياسيًا عالميًا في القفز الطويل الثابت لفئته العمرية بمسافة بلغت 1.63 مترًا، وهو رقم لا يزال مسجلًا باسمه حتى اليوم.
اليوم، وقبل أن يدخل المهاجم النرويجي عامه الـ 26، دخل سجلات التاريخ من الباب الأكثر صخبًا، محطمًا جدار التشكيك الذي حاول المدرب التركي سيرجين يالجين بناءه حين وصفه علنًا بأنه لاعب غير موهوب، فجاء الرد رقميًا صارمًا لا يقبل التأويل من خلال مسيرة مذهلة شملت 418 مباراة، أحرز خلالها 359 هدفًا، وصنع 66 تمريرة حاسمة، مبرهنًا على أن الموهبة ليست مجرد استعراض، بل هي كفاءة تدميرية تتحدى جغرافيا اللعبة وصعوباتها، وحين تساءل العالم إن كان الدوري الإنجليزي الممتاز هو الساحة الأكثر تطلبًا وبطشًا باللاعبين، أجاب هالاند بـ 112 هدفًا، و24 تمريرة حاسمة في 132 مباراة، وعندما قيل إن دوري أبطال أوروبا هو قمة الهرم الشرس للأندية، وضع بصمته بـ 57 هدفًا في 58 مواجهة خاضها بقمصان سالزبورج ودورتموند وسيتي، وحتى العقدة الدولية لبلاده التي امتدت لـ 28 عامًا منذ مونديال فرنسا 1998 تفككت تحت وطأة 62 هدفًا في 54 مباراة دولية، ليتوج هذا العنفوان الرقمي في موندياله الأول بسبعة أهداف كاملة في أربع مباريات فقط، متجاوزًا بمسافات ضوئية البدايات المونديالية للأساطير، حيث سجل ميسي هدفًا واحدًا في أول مونديال له، وكريستيانو رونالدو هدفًا واحدًا، ومبابي أربعة أهداف، ليثبت هذا الفتى ابن الـ 25 عامًا أنه حجز مقعده سلفًا بين أعظم من لمس الكرة عبر التاريخ.

فلسفة تكتيكية

في عُرف لاعب، تعلم كيف يخطط ليومه قبل أن يدخل سريره في مدينة براين الريفية موطن والدته، لا يوجد شيء للصدفة، تعلم كيف يخطط لحياته وفق فلسفة تكتيكية صارمة تزدري الركض العشوائي، وتعتنق مبدأ الأسطورة البرازيلي روماريو، الذي كان يردد دائمًا بأن المهاجم لا يركض، بل يترك الركض للكرة ولأفراد الفريق، وأن جوهر المهاجم يكمن في التمركز الذكي والراحة التامة بانتظار لحظة الانفجار، وهذا بالضبط ما يطبقه هالاند، إذ يراه المشاهد يتهادى في الملعب كأنه شبح غائب لا يلمس الكرة، حتى يظن المدافعون أن اليوم ليس يومه، وفي جزء من الثانية، تنمو كتلته العضلية فجأة وينفجر كوحش كاسر ليموت الحراس رعبًا بلمسة قاتلة تنهي المعركة، متفوقًا بنضجه على عقلية الفوضى التي يمثلها لاعب مثل نيمار الذي يفضل إثارة الأزمات في الدقائق الأخيرة بينما تبحث بلاده عن التعادل.

تفاصيل صغيرة

نشاء هالاند في بيئة رياضية محترفة، فوالده لاعب كرة قدم سابق، ووالدته جري ماريت براوت كانت بطلة سباعي في ألعاب القوى بالنرويج، هذا الأمر ساعده على بناء عقلية وبنية جسدية قوية للغاية، تعلم هالاند منذ البداية أن الاعتماد على موهبته الطبيعية لن تجعل منه لاعبًا أسطوريًا، لذا سعى منذ وقت مبكر لتحسين كل تفصيلة صغيرة في نمط حياته، مؤمنًا بأن التميز يكمن في تلك الجوانب الدقيقة، وتحديدًا في جودة ونوعية الغذاء، فوراء هذا الجسد الخارق، يقبع مختبر بيولوجي حقيقي يُدار بهوس جنوني لا ينظر إليه أحد في العادة، وتحديدًا في تفاصيل طبق الطعام، حيث يستهلك هالاند ستة آلاف سعرة حرارية يوميًا، ما يعادل طعام ثلاثة رجال بالغين، ملتزمًا بنظام غذائي بدائي يعتمد على تناول كيلوجرام كامل من اللحوم الحمراء الدهنية وأحشاء البقر كالقلوب والأكباد الطازجة الغنية بالحديد، وفي الوقت الذي يتهافت فيه الرياضيون على المنتجات المصنعة، لا يحتوي فطور الفتى النرويجي على مساحيق «الواي بروتين» التجارية أو المكملات الكيميائية الغالية التي تروج لها الشركات، بل يقتصر فطوره ببساطة على حليب بقري نيء طازج مخلوط بالقهوة الصباحية، ولكن بناءً على نصيحة الخبراء والأطباء، أجرى هالاند أخيرًا تعديلات جوهرية قضت بتقليل الاعتماد الكلي على اللحوم الحمراء الثقيلة، وإعطاء الأولوية للبروتينات البحرية التي يمتاز الجسد البشري بامتصاصها بكفاءة عالية، مثل سمك السلمون، وبانضباط عسكري تام، نفذ العملاق الأشقر هذه التغييرات، ما أسهم في ظهوره بمستوى بدني لافت في الأدوار الإقصائية الحالية، مسجلًا أهدافًا حاسمة عززت مكانته أحد أبرز المهاجمين على الساحة العالمية، وهو ما يفسر تلك اللوجستيات الصارمة التي اتبعتها بعثة الفايكنج في المونديال حين طلبت شحن 300 كيلوجرام من سمك السلمون النرويجي الطازج مباشرة إلى مقر سكنهم في كأس العالم، في قرار استراتيجي لم يكن مجرد رفاهية أو نزوة للاعبين، بل وراءه درس يتجاوز حدود كرة القدم بمراحل، فحين اقتربت ساعة مواجهة ربع النهائي الشرسة، عزز الأطباء القوائم الغذائية للاعبين بجرعات مكثفة من السلمون نظرًا لغناه بالبروتينات عالية الجودة، والأوميجا-3، وفيتامينات «أ» و«د» و«ب 12»، بهدف تسريع عملية التعافي العضلي وحماية الجهاز المناعي من الإرهاق، ولم تقتصر هذه الشحنة العاجلة على السلمون فحسب، بل شملت أنواعًا نادرة من الأسماك الشمالية، مثل سمكة القديس بطرس الشمالية، والهاليبوت، وسمك القد النرويجي، حيث نُقلت الشحنة بالكامل تحت رقابة مشددة تضمن سلامة سلسلة التبريد، وطهيت بأيدي طهاة نرويجيين مرافقين للبعثة لضمان عدم حدوث أي اختراق تكتيكي أو تلوث غذائي، بل إن التخطيط الاستراتيجي للفايكنج تضمن شحنة ثانية مماثلة جرى تجهيزها فورًا بمجرد تقدم الفريق في البطولة.

هوس النوم

الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، التي لا ينتبه لها الكثير من اللاعبين، هي من صنع الوحش النرويجي، لذا يتكامل نظامه الغذائي المعقد مع هوس جنوني آخر بغرفة النوم، حيث يرتدي نظارات خاصة تقطع الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، ويطفئ شبكات الواي فاي في منزله تمامًا لتقليل الموجات، ويضع شريطًا لاصقًا طبيعيًا على فمه أثناء النوم لضمان التنفس الأنفي العميق الذي يرفع أكسجين الدم، وعلى الرُغم من أن الأطباء يحذرون العامة بشدة من تقليد بروتوكول الحليب الخام لما يحمله من مخاطر بكتيرية حقيقية لا يمكن تلافيها إلا بوجود الرقابة البيطرية والفريق الطبي اللذين يحظى بهما النجم النرويجي، ليدين هذا العملاق الأشقر للحياة الصحية ونقاء الطبيعة بجزء كبير مما وصل إليه من أمجاد، ولهذا لم يكن غريبًا أن تنزع كواليس أحلامه المستقلة نحو البساطة حين صرح علنًا بأنه يريد امتلاك مزرعته الخاصة بعد اعتزاله كرة القدم، معبرًا عن شغفه الدفين بأن يكون في مزرعة يقود جرارًا، ويطعم بقره، مؤكدًا لخاصته أن هذا هو حلمه الحقيقي، وما يريد فعله تمامًا عندما يقرر توديع صخب الساحرة المستديرة.


Advertisements

قد تقرأ أيضا