ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:06 صباحاً - على مدار دوراتها المتعاقبة، ناقشت القمة العالمية للحكومات، قطاع الفضاء، بوصفه أحد الركائز الاستراتيجية لصياغة مستقبل العالم، نظراً لدوره المحوري في تحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد المعرفي، وتسريع وتيرة الابتكار العلمي والتكنولوجي. وحرصت القمة على تخصيص جلسات رفيعة المستوى لبحث آفاق علوم الفضاء، بما يسهم في دعم نمو هذا القطاع، وضمان استدامته على المدى الطويل.
الإمارات لاعب محوري في اقتصاد الفضاء العالمي
44 مليار درهم استثمارات الدولة في هذا القطاع
توقعات عالمية تضع الدولة في موقع متقدم للاستفادة من النمو المتسارع للقطاع
رؤية وطنية تنقل الفضاء من الطموح إلى الصناعة
شراكات دولية وتقنيات متقدمة تصنع التفوق الإماراتي
بنية تشريعية مرنة تدعم نمو القطاع واستدامته
وكانت دولة الإمارات حاضرة بقوة في هذه الفعاليات، من خلال مشاركاتها ومبادراتها الطموحة، التي أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من الجهود العالمية لاستكشاف الفضاء.
وعلى غرار الدورات السابقة، برزت تجربة الدولة خلال العام الماضي، بوصفها أحد النماذج العالمية والعربية الرائدة في مجال استكشاف الفضاء، بما عكس الحضور الفكري والتطبيقي الفاعل للدولة في هذا القطاع الحيوي.
ويعد هذا الحضور الإماراتي البارز في المحافل الدولية، تأكيداً على المكانة المتقدمة التي تحتلها الدولة في مجال اقتصاد الفضاء، بوصفها لاعباً محورياً في رسم ملامح المستقبل، لا سيما مع تحويلها قطاع الفضاء إلى أحد الأعمدة الاستراتيجية في مسيرتها نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام، خلال الخمسين عاماً المقبلة، وذلك من خلال تبنّي أحدث التقنيات المتقدمة، وتعزيز الشراكات الدولية، وتطوير كفاءات وطنية قادرة على قيادة هذا القطاع في العقود القادمة.
ويشكل اقتصاد الفضاء أحد الركائز الاستراتيجية في مسيرة دولة الإمارات نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام خلال الخمسين عاماً المقبلة، حيث تواصل الدولة ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للاستثمار والابتكار في علوم وتطبيقات الفضاء، عبر تبنّي التقنيات المتقدمة، وتعزيز الشراكات الدولية، وبناء الكفاءات الوطنية المتخصصة، القادرة على قيادة هذا القطاع الحيوي.
منظومة اقتصادية
ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية وطنية شاملة، تستهدف الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وتعزيز تنافسية الدولة في القطاعات المستقبلية ذات القيمة المضافة العالية.
ويؤكد ذلك النجاح الذي حققته الإمارات في تحويل قطاع الفضاء من مجرد طموح علمي إلى محرك اقتصادي ومعرفي متكامل، يسهم بشكل مباشر في دعم النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز الابتكار، إلى جانب تعزيز القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والبحث العلمي.
وقد أصبح قطاع الفضاء بالنسبة للإمارات منظومة اقتصادية متكاملة، تتقاطع مع مختلف القطاعات الحيوية في الدولة.
وتعكس الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في هذا القطاع، حجم الرهان الاستراتيجي عليه، إذ تجاوزت قيمة استثمارات الإمارات فيه 44 مليار درهم، شملت مجالات متعددة، من بينها أنظمة الاتصالات الفضائية، واستكشاف الأرض والفضاء، وخدمات نقل البيانات، والبث التلفزيوني عبر الأقمار الاصطناعية، والاتصالات الفضائية المتنقلة.
ويؤكد هذا الحجم من الاستثمار، التزام الدولة طويل الأمد بتطوير قطاع الفضاء، باعتباره أحد القطاعات الاستراتيجية المستقبلية القادرة على إحداث تأثير اقتصادي وعلمي واسع النطاق، وفتح آفاق جديدة للاستثمار محلياً وعالمياً.
قطاعات رئيسة
ويضم اقتصاد الفضاء في الإمارات قطاعات رئيسة، تعد من بين الأكثر جذباً للاستثمار، تشمل تعدين الفضاء، والمحطات الفضائية، والسياحة الفضائية، والمستوطنات البشرية خارج كوكب الأرض، إضافة إلى مجالات الاستدامة وإعادة التدوير في الفضاء، وتصنيع الأقمار الاصطناعية، وأكاديميات الفضاء، وشركات التكنولوجيا الفضائية المتقدمة.
ويعكس هذا التنوع في القطاعات شمولية الرؤية الإماراتية، التي لا تقتصر على جانب واحد من الفضاء، بل تمتد لتشمل سلسلة القيمة الكاملة للصناعات الفضائية.
تريليون دولار
وتضع التوقعات العالمية الإمارات في موقع متقدم للاستفادة من النمو المتسارع لهذا القطاع، إذ تشير التقديرات إلى أن حجم اقتصاد الفضاء العالمي يتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2040، وهو ما يمثل قفزة نوعية في هذا الاقتصاد الجديد.
وتستند الدولة في استعدادها لهذه المرحلة إلى بنية تحتية متطورة، وبيئة تشريعية مرنة، ومنظومة قوانين وتنظيمات داعمة، إلى جانب رؤية استراتيجية واضحة، تستشرف المستقبل، وتعمل على تهيئة البيئة الملائمة له.
مبادرات وبرامج
وفي إطار تعزيز منظومة الفضاء الوطنية، أطلقت الدولة العديد من المبادرات والبرامج والسياسات التي أحدثت فارقاً ملموساً في مسيرتها الفضائية، من بينها تأسيس صندوق وطني استراتيجي لدعم قطاع الفضاء، بقيمة 3 مليارات درهم، يهدف إلى توفير الموارد المالية اللازمة للمشاريع الفضائية، وتعزيز حوكمة التمويل، وتمكين الشراكات مع القطاع الخاص، بما يضمن استدامة هذه المشاريع، وتسريع وتيرة نموها.
استدامة البيئة
وتهدف الدولة من خلال هذه المشاريع إلى تحقيق مجموعة واسعة من المستهدفات، من شأنها تعزيز جهودها لإيجاد حلول للتحديات المرتبطة بالتغير المناخي واستدامة البيئة، والمساهمة في التطوير العمراني، والعمل على تكامل الجهود في دعم مواجهة الكوارث وتحديات الأمن الغذائي وغيرها، وذلك بالاعتماد على الكوادر الوطنية المؤهلة والشركات الإماراتية، إلى جانب تشجيع الشراكات مع المؤسسات العالمية وتقديم الحوافز لها، وهو ما يعد امتداداً لمشروع مناطق الفضاء الاقتصادية الرامي إلى ترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للمواهب والاستثمار والابتكار.
كما أطلقت الإمارات أول منطقة اقتصادية فضائية في مدينة مصدر، لتكون منصة متكاملة، تدعم الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهم في بناء القدرات الوطنية، وتوفير بيئة أعمال جاذبة للشركات المحلية والعالمية العاملة في قطاع الفضاء.
ويتكامل هذا الحراك مع إنشاء «المجلس الأعلى للفضاء»، الذي يتولى اعتماد السياسات العامة لتنظيم القطاع، وتحديد الأولويات الوطنية، والتقنيات المستهدفة، وأولويات الاستثمار والاستحواذ، بما يعزز التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث، ويضمن توحيد الجهود الوطنية ضمن إطار مؤسسي متكامل.
مكانة عالمية
وعلى صعيد الإنجازات، رسخت مساهمات الدولة في مجال الفضاء مكانتها عالمياً، إذ وضعتها في مصاف الدول الرائدة في استكشاف الفضاء.
ويأتي في مقدم هذه الإنجازات، نجاح «مسبار الأمل» في الوصول إلى مدار كوكب المريخ في يوليو 2020، ليكون أول مسبار عربي وإسلامي يحقق هذا الإنجاز، وتصبح الإمارات واحدة من تسع دول فقط في العالم تصل إلى الكوكب الأحمر.
وأسهم المسبار منذ وصوله في تزويد المجتمع العلمي الدولي ببيانات نوعية غير مسبوقة حول الغلاف الجوي للمريخ، تجاوز حجمها 5 تيرابايت، ونُشرت استناداً إليها عشرات الأوراق العلمية في مجلات عالمية محكمة، ما أتاح فهماً أعمق للظروف المناخية للكوكب وأقماره.
وبالتوازي مع الإنجازات التقنية، وضعت الإمارات الإنسان في قلب مشروعها الفضائي، عبر الاستثمار المكثف في إعداد رواد الفضاء، وبناء رأس المال البشري الوطني.
وحقق رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي إنجازاً غير مسبوق، بإتمامه أطول مهمة فضائية في تاريخ العرب، استمرت ستة أشهر، شارك خلالها في أكثر من 200 تجربة علمية، بالتعاون مع مؤسسات بحثية عالمية وجامعات إماراتية، شملت مجالات متنوعة، مثل زراعة النباتات في الفضاء، ودراسة تأثير الجاذبية الصغرى في جسم الإنسان، إضافة إلى بحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
نقلة نوعية
وشهد قطاع الفضاء الإماراتي نقلة نوعية مع نجاح الدولة في تصنيع مكونات الأقمار الاصطناعية محلياً لأول مرة، حيث شاركت الشركات الوطنية في تصنيع أجزاء رئيسة من القمر الاصطناعي «محمد بن زايد سات»، الذي يعد الأكثر تطوراً في المنطقة في مجال رصد الأرض والتصوير عالي الدقة.
ويجسد هذا الإنجاز بداية مرحلة جديدة في توطين صناعة الفضاء، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، حيث يعمل في هذا القطاع حالياً أكثر من 200 شركة وكيان، توفر آلاف الوظائف غير المباشرة، ما يجعله أحد أكثر القطاعات الواعدة للنمو الاقتصادي المستدام.
وإلى جانب التشريعات والبرامج والإنجازات النوعية، تواصل الإمارات توسيع آفاقها الفضائية من خلال مشاريع طموحة، من بينها مشاركتها في مشروع «محطة الفضاء القمرية»، حيث ستتولى تطوير وتشغيل وحدة معادلة الضغط لمدة قد تصل إلى 15 عاماً، بما يضمن وجوداً دائماً للدولة في أحد أكبر البرامج العالمية لاستكشاف القمر والفضاء السحيق.
كما تستعد الدولة لإرسال رواد فضاء إماراتيين إلى مدار القمر، والمشاركة في بعثات علمية نوعية تفتح المجال أمام اكتساب معارف متقدمة، وتعزز حضور الإمارات في المشاريع الفضائية الكبرى.
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية بعيدة المدى، تنسجم مع «مئوية الإمارات 2071»، واستراتيجية الثورة الصناعية الرابعة، التي تهدف إلى بناء اقتصاد وطني تنافسي، قائم على المعرفة والابتكار، وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية والبيئية.
خطوة محورية
كما تستعد الدولة لإطلاق المستكشف «راشد 2»، نحو الجانب البعيد من سطح القمر، خلال العام الجاري، ضمن مشروع الإمارات لاستكشاف القمر، وذلك بعد اجتيازه بنجاح سلسلة شاملة من الاختبارات البيئية والوظيفية في دولة الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية.
ويمثل اكتمال تطوير المستكشف «راشد 2»، خطوة محورية في مسيرة دولة الإمارات نحو تحقيق طموحاتها في استكشاف القمر، حيث تستهدف المهمة الجانب البعيد من سطح القمر، لتخوض مجالاً لم تصل إليه سوى قلة من الدول المتقدمة.
حزام الكويكبات
وفي السياق ذاته، تعمل الدولة حالياً على مرحلة التجميع والاختبارات لمشروع الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، ضمن مسار التحضيرات للمهمة العلمية الطموحة، التي تعد الأولى من نوعها لدراسة سبعة كويكبات في حزام الكويكبات الرئيس.
ومن المتوقع أن تنطلق مركبة «MBR إكسبلورر» في مارس 2028، لتقطع مسافة تصل إلى خمسة مليارات كيلومتر، مع تنفيذ ثلاث مناورات تعتمد على الجاذبية عبر كواكب الزهرة والأرض والمريخ، بهدف زيادة سرعتها، قبل أن تبدأ أولى مواجهاتها مع أحد الكويكبات في فبراير 2030، تمهيداً للهبوط على كويكب «جوستيشيا» في عام 2034.
كما تعمل الدولة على تحويل حلم بناء مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر، إلى هدف طموح، تسعى لتحقيقه إلى جانب عدد من الدول، ضمن مشروع «المريخ 2117».
وقد وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتكليف مركز محمد بن راشد للفضاء قيادة المشروع، إلى جانب توجيه سموه بالبدء في إعداد «خطة أجيال» تمتد لـ 100 عام، تتضمن بناء قدرات وكوادر وطنية تخصصية في مجالات علوم الفضاء، والأبحاث، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتقنيات المتقدمة في مجال النقل الفضائي، على أن يتم أيضاً وضع خطة تفصيلية للسنوات الخمس المقبلة، تشمل الجوانب التقنية والفنية واللوجستية كافة للمشروع.
