ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 11 أغسطس 2026 07:06 صباحاً - قبل أن يقرع جرس الحصة الأولى من العام الدراسي الجديد، تكون رحلة العودة إلى المدرسة قد بدأت بالفعل من مكان آخر.. البيت الذي من داخله يعاد ضبط موعد النوم بعد الإجازة الصيفية، وتعود وجبة الإفطار إلى الصباح، وتتراجع تدريجياً ساعات الشاشات، وتبدأ الأحاديث عن الصف الجديد، في حين يشارك الأبناء في اختيار حقائبهم وأدواتهم استعداداً لعام دراسي جديد.
فالعودة إلى المدارس ليست «موسم مشتريات» ينتهي بشراء الزي والقرطاسية، والحقيبة ليست سوى الجزء المرئي من مشهد أكبر. أما الاستعداد الحقيقي، فيتشكل من تفاصيل لا توضع بين الكتب:
نفس مطمئنة، ونوم منتظم، وغذاء متوازن، وثقة بالنفس، وقدرة على تحمل المسؤولية، وأسرة تعرف كيف تحول الانتقال من الإجازة إلى الدراسة إلى تجربة هادئة ومحفزة.
ومع اقتراب العودة إلى المقاعد الدراسية، تبدأ الأسر بإعادة ترتيب إيقاع الحياة اليومية، في مرحلة تحتاج إلى التدرج، فالطالب لا يعود إلى مبنى المدرسة فقط، بل ينتقل إلى جدول ومسؤوليات وصف جديد، وربما إلى مرحلة تعليمية مختلفة كلياً.
قبل «ساعة الصفر»
وتلتقي آراء الأسر والمختصين عند نقطة أساسية: الليلة الأخيرة ليست الوقت المناسب لإعادة ترتيب حياة الطالب دفعة واحدة.
فمن الصعب أن ينتقل طفل اعتاد السهر والاستيقاظ المتأخر واستخدام الأجهزة لساعات طويلة، خلال ليلة واحدة، إلى النوم المبكر والاستيقاظ صباحاً وتناول الإفطار ثم الجلوس في الفصل بكامل تركيزه.
لذلك تبدأ العودة الأكثر سلاسة قبل المدرسة بأيام؛ يتقدم موعد النوم تدريجياً، وتنخفض ساعات الشاشات، ويعود الإفطار إلى الصباح، ويشارك الطالب في تجهيز حقيبته، في حين يدور الحديث عن المدرسة بلغة الحماس والطمأنينة، مع منحه مساحة ليقول أيضاً: «أنا قلق».
اختبار مبكر للمسؤولية
وسط قوائم المستلزمات الطويلة، يمكن لسؤال بسيط أن يحول شراء الأدوات إلى تجربة تربوية: لو لم يكن في حقيبة الطالب مكان إلا لخمسة أشياء، فماذا سيختار؟ لا توجد إجابة واحدة، فاحتياجات الطلبة تختلف باختلاف أعمارهم ومراحلهم التعليمية، لكن قيمة السؤال تكمن في منحه فرصة لتحديد أولوياته، والمفاضلة بين ما يحتاج إليه وما يرغب فيه، وتحمل مسؤولية اختياره.
وقالت ولية الأمر شهد الحمادي إن تجهيز الحقيبة يمكن أن يتحول إلى مساحة للتفاعل بين الأسرة والأبناء، تظهر خلالها اهتمامات الطالب وطريقة ترتيبه أولوياته، خصوصاً عند انتقاله إلى صف أو مرحلة تعليمية جديدة.
وأوضحت أن احتياجات الأبناء تتغير مع تقدمهم الدراسي، ولذلك فإن الاستماع إليهم وإشراكهم في اختيار المستلزمات يمنحهم شعوراً بأنهم شركاء في صناعة بدايتهم الجديدة، ويعزز ثقتهم بأنفسهم ومسؤوليتهم تجاه أدواتهم ودراستهم.
من جانبها، أكدت ولية الأمر شيخة مبارك أن قيمة الاستعداد للعام الدراسي لا تقاس بكثرة المشتريات، بل بمقدار مشاركة الطالب في التحضيرات ومنحه مساحة لاتخاذ قرارات تتناسب مع عمره.
وأشارت إلى أن ترتيب الحقيبة واختيار الأدوات يمثلان مدخلاً بسيطاً لإعادة الأبناء نفسياً إلى أجواء الدراسة، فالطفل الذي يشارك في الاختيار يصبح أكثر حرصاً على مقتنياته، ويتعلم التمييز بين «ما يحتاج إليه» و«ما يرغب فيه».
وترى أن العودة الأكثر نجاحاً هي التي تبدأ تدريجياً داخل المنزل، وليس في الليلة السابقة لأول يوم دراسي، حتى يستعيد الطالب روتينه ويستقبل المدرسة بحماس، بدلاً من الشعور بأن الإجازة توقفت فجأة.
«توقعات الكبار»
وإذا كان من السهل تخفيف وزن الحقيبة المدرسية، فإن هناك أحمالاً أخرى قد يحملها الطالب ولا تراها العين.
وأكد د. أحمد سعيد، المرشد التربوي واستشاري نفسي للأطفال ومدير مراكز تأهيل وتدريب الأطفال بالإمارات، أن الاستعداد النفسي يجب أن يسبق سباق الدرجات والتحصيل الأكاديمي.
وأوضح أن البيئة المحيطة بالطالب تؤدي دوراً محورياً في تشكيل حالته النفسية، محذراً من أن المبالغة في المنافسة والمقارنات والتركيز المفرط على النتائج يمكن أن تحول التعلم من تجربة محفزة إلى مصدر للقلق.
وفرّق بين طالب يجتهد لأنه يريد التطور، وآخر يدرس لأنه يخشى الفشل؛ فالأول يستطيع التعلم من أخطائه وتحسين أدائه، في حين قد يستنزف الخوف المستمر طاقة الثاني النفسية والعاطفية.
وشدد على أن الانتقال إلى مرحلة تعليمية جديدة يتطلب توقعات واقعية ومساحة آمنة تسمح للطالب بالتعبير عن مخاوفه، مع بناء علاقة قائمة على الثقة بين الأبناء والأسرة والمرشد التربوي، بعيداً عن النقد والمقارنات.
الطالب قبل أدواته
وتضع المستشارة النفسية والتربوية، مريم القصير النعيمي، الأسرة في قلب معادلة العودة، مؤكدة أن شراء الحقيبة والزي والقرطاسية يمثل الجانب الظاهر فقط من الاستعداد، في حين تبدأ الجاهزية الحقيقية من الإعداد النفسي والتنظيمي للطالب.
وأوضحت أن تنظيم أوقات النوم والدراسة والراحة والنشاط، وإشراك الأبناء في التحضيرات، يساعد على صناعة انتقال أكثر هدوءاً من الإجازة إلى الدراسة.
وأكدت أن الطالب المنتقل إلى صف أو مرحلة جديدة يحتاج إلى من يستمع إليه أكثر من حاجته إلى سلسلة من التعليمات، وأن سؤاله عما يشعر به وما ينتظره وما يقلقه قد يكون أكثر فائدة من تذكيره المتكرر بالواجبات والدرجات.
كما شددت على أهمية تنظيم استخدام الأجهزة والشاشات تدريجياً، وإعادة مساحة كبرى من يوم الطفل إلى الحركة والقراءة والنشاط الأسري والحوار المباشر.
الانضباط بالحوار
وفي السياق ذاته، أكدت د. غادة محمد أبوزيد أن بداية العام الدراسي تمثل فرصة لإعادة بناء العادات اليومية داخل المنزل، مشيرة إلى أن التربية القائمة على الحوار والثقة تساعد الأبناء على الانتقال إلى نمط أكثر انتظاماً ومسؤولية.
وأوضحت أن دور الوالدين ينبغي ألا يقتصر على الرقابة وتحديد الممنوع والمسموح، وإنما يمتد إلى التوجيه الواعي وإشراك الأبناء في وضع القواعد التي تنظم يومهم، من النوم والدراسة إلى الراحة واستخدام الأجهزة.
وأكدت أن مشاركة الطفل في صياغة هذه القواعد تجعله أكثر فهماً لأسبابها والتزاماً بها، وتدربه تدريجياً على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، بحيث يكون الهدف بناء شخصية واعية ومستقلة، لا شخصية تنتظر رقابة الوالدين في كل خطوة.
مائدة الإفطار
وإذا كانت الحقيبة تحمل أدوات التعلم، فإن الجسم يحتاج بدوره إلى ما يمنحه الطاقة والتركيز طول اليوم الدراسي.
وأكدت د. أريج عبدالهادي أن الاستعداد الصحي والغذائي يجب أن يسير بالتوازي مع التجهيز النفسي والتنظيمي، لافتة إلى أن الإجازة قد تغير مواعيد النوم والطعام ومستويات النشاط البدني لدى الأطفال، ما يجعل الفترة السابقة للدوام فرصة لإعادة التوازن.
وأوضحت أهمية انتظام الوجبات الأساسية والتنوع الغذائي، واضعة وجبة الإفطار في مقدمة أساسيات صباح الطالب قبل ساعات طويلة من التعلم والنشاط.
ودعت إلى الاهتمام بمحتويات حقيبة الطعام، واختيار وجبات متوازنة، وتشجيع الأطفال على شرب المياه، إلى جانب ممارسة النشاط البدني وإعادة تنظيم ساعات النوم.
ما لا يوضع في الحقيبة
وبين تجارب أولياء الأمور ورؤية المختصين، تتشكل خريطة متكاملة للاستعداد. فشهد الحمادي تضع الاختيار في قلب المسؤولية، وشيخة مبارك ترى في المشاركة مدخلاً للاستقلالية، في حين يضع د. أحمد سعيد الاستقرار النفسي قبل ضغط النتائج.
وتدعو مريم النعيمي إلى انتقال تدريجي من الإجازة إلى الدراسة، وتربط د. غادة أبوزيد الانضباط بالحوار والثقة، في حين تضع د. أريج عبدالهادي النوم والغذاء والنشاط البدني في قلب الجاهزية.
وهكذا، يتغير السؤال الذي يسبق المدرسة من: «هل اشترينا كل شيء؟» إلى «هل أصبح الطالب جاهزاً للعودة للمدرسة؟»
اختيار المستلزمات فرصة لتعليم الأبناء المفاضلة وتحمّل مسؤولية قراراتهم
مشاركة الطالب في التحضيرات تمنحه شعوراً بالشراكة وتزيد حماسه للدراسة
ضغط التوقعات والمقارنات يوتّر الطالب ويتعبه نفسياً
الطالب يحتاج إلى من يستمع إلى مخاوفه أكثر من حاجته إلى التعليمات
أولياء أمور:
على الأسر الاستعداد تدريجياً للعودة المدرسية بضبط إيقاع حياة أبنائهم
مختصون وتربويون:
الاستعداد النفسي للعام الدراسي أهم من التجهيزات المادية
