الدوحة - سيف الحموري - اعتمدت منظمة الصحة العالمية اتفاقية الوقاية من الجوائح في شهر مايو 2025، وهي إطار عمل قانوني مُلزم يهدف إلى تعزيز الجاهزية العالمية لمواجهة الطوارئ الصحية المستقبلية. وتم تطوير هذه الاتفاقية كاستجابة مباشرة لجائحة كوفيد- 19، التي أزاحت الستار عن الثغرات العميقة في مجالات تحقيق العدالة، والتنسيق، وتوزيع الموارد. ورغم اعتماد إطار عمل الاتفاقية رسميًا، إلا أنه لا تزال أنظمة التشغيل الرئيسية، ولا سيما نظام الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع، قيد المراجعة النهائية. وتتعهد الدول الموقعة بتعزيز النهج التعاونية في مجالات الترصد، والتمويل، والاستجابة للطوارئ، وضمان الوصول العادل إلى التدابير الطبية المضادة، الأمر الذي يمثل إنجازًا مهمًا في قطاع الصحة العامة.
وعلى الرغم من هيمنة الدول الكبرى على المناقشات حول التأهب للطوارئ، والمفاوضات، والمعاهدات، نظرًا لما تتمتع به من كثافة سكانية وموارد هائلة، فقد برزت دولة قطر، رغم صغر حجمها الجغرافي، كطرف رئيسي في مجال الصحة العالمية، حيث أثبتت الدوحة أن الدول الأصغر حجمًا قادرة على التأثير في مجال التأهب للطوارئ والاستجابة لها من خلال إستراتيجيتها المحلية المتكاملة لاحتواء تفشي فيروس كورونا ودعمها الكبير للدول الأخرى والوكالات الدولية.
وفي عام 2020، التزمت حكومة دولة قطر بتقديم 10 ملايين دولار لمنظمة الصحة العالمية لتعزيز قدرات الفحص، وتحسين البروتوكولات العلاجية، وتحفيز إجراء البحوث وتطوير اللقاحات. كما ساهمت بمبلغ 20 مليون دولار للتحالف العالمي للقاحات (GAVI) لتسريع التوزيع العادل لأدوات التشخيص والتطعيم. وقد ضمنت هذه الاستثمارات سرعة وسهولة وصول التدخلات الصحية الحيوية في وقت كانت تمر فيه سلاسل الإمداد العالمية باضطرابات حادة. ووصف القادة القطريون الجائحة بأنها اختبار «لإنسانيتنا المشتركة» ودعوا إلى تعزيز التعاون الدولي لضمان استفادة جميع الشعوب من الاكتشافات العلمية والتدابير السريرية المضادة.
وبعيدًا عن دعم الاستجابة الأولية للأزمة، واصلت الدوحة مشاركاتها من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على آليات التمويل المرن. ففي عام 2021، أبرم صندوق قطر للتنمية اتفاقية مساهمة أساسية مع منظمة الصحة العالمية، لتوفير الموارد لعدة سنوات غير مخصصة، لكل من الأنشطة المخطط لها وحالات الطوارئ السريعة على مدى العامين التاليين. وقد أدرجت هذه الاتفاقية دولة قطر ضمن قائمة أكبر عشرة مانحين أساسيين لمنظمة الصحة العالمية خلال تلك الفترة، الأمر الذي أبرز كيف يمكن للتمويل المخصص أن يعزز من مرونة المؤسسات وقدرتها على الاستجابة.
وساهمت دولة قطر في تعزيز شبكات الرصد العالمية، وزيادة قدرات القوى العاملة في الخطوط الأمامية، وتوسيع المخزونات الأساسية، وتطوير منصات رقمية مرنة للرصد، وهي جميعها ركائز أساسية في أهداف الاتفاقية. كما يجسد هذا العطاء المستدام والإستراتيجي تحولًا من الاعتماد على المساعدات التفاعلية القائمة على المشاريع، وتوجهًا نحو تقديم الدعم المتكامل والتركيز على النظم بما يتماشى مع أولويات اتفاقية الوقاية من الجوائح. وقد أشادت قيادة منظمة الصحة العالمية بدولة قطر لشراكتها الموثوقة، مشيرة إلى أن التدفقات التمويلية المستمرة والتي تعزز قدرة المنظمة على جمع الموارد اللازمة بسرعة لتقديم الاستجابة الفورية للتهديدات الصحية المنبثقة.
كما تصنف دولة قطر ضمن مجموعة واسعة من الدول الصغيرة والمتوسطة التي تجمع بين الإسهامات المالية، والخبرات الفنية، ومناصرة الأصوات التي تطالب بصياغة بنود معاهدات عادلة. وقد دأبت شبكة من الدول الأوروبية التي يقل عدد سكانها عن المليوني نسمة، تعرف باسم «مبادرة الدول الصغيرة»، على المطالبة بصياغة معاهدات تتضمن بنودا تدعم القوى العاملة الصحية، وتضمن الوصول الدائم والمستمر إلى الأدوية، وتوفر آليات بناء القدرات في البيئات الأقل موارد.
وبالمثل، سلطت الدول الجزرية في منطقتي المحيط الهادئ والكاريبي الضوء على أوجه الضعف المرتبطة بالمناطق النائية، والبنية التحتية الصحية المحدودة، وسلاسل الإمداد المقيدة. وتدمج هذه الرؤى الاعتبارات التشغيلية أثناء صياغة الاتفاقية، لضمان أن تعكس النصوص النهائية الواقع الصحي العالمي المتنوع للدول الصغيرة. وأدت المناشدات المستمرة لهذه الدول دورًا أساسيًا في صياغة اتفاقية الوقاية من الجوائح بشكل يعزز النظم الصحية ويضمن الوصول الشامل، بدلًا من ترك الأولوية للقدرات الاقتصادية للدول الكبرى.
وعليه، أُجريت المفاوضات متعددة الأطراف بشأن اتفاقية الجوائح من خلال عمليات تشاورية شاملة أتاحت لجميع الدول الأعضاء الفرصة للتعبير عن أولوياتها ومخاوفها، وترأس المفاوضات الرؤساء المشاركون من جنوب أفريقيا وفرنسا، بدعم من نواب الرؤساء من تايلاند ومصر، والبرازيل، وأستراليا.
كما سمح تواجد هيكل قيادي متنوع جغرافيًا، بدمج آراء الدول النامية والصغيرة ضمن بنود الاتفاقية والتركيز على بعض القضايا مثل التوزيع العادل للقاحات، وتقاسم مسؤوليات الترصد وغيره. وحرصت هذه الدول الصغيرة على ألا يتضمن النص النهائي مجرد تقديم الاستجابة السريعة فحسب، بل يشمل تحديد العوامل الهيكلية التي تحدد عرضة الإصابة بالأمراض.
ومع توجه الدول الموقعة نحو مرحلة تصديق الاتفاقية وإتمام صياغة ملحقاتها، باتت الدول الصغيرة والمتوسطة تتحلى بموقع يسمح لها بتولي الأدوار الرئيسية في لجان التنفيذ، وأطر الرصد، ومجموعات العمل الفنية. كما ستكون مساهماتها المالية، ومواردها التقنية، وقيادتها المعنوية، وأنشطتها على مستوى المجتمعات المحلية، بما في ذلك مبادرات الإنذار المبكر القائمة على البيانات، أمورًا لا غنى عنها لتحويل الالتزامات رفيعة المستوى إلى تطورات ملحوظة في مجال الأمن الصحي العالمي.
