حال المال والاقتصاد

في اليوم العالمي للمحيطات .. الإمارات زرقة تُصان وجهود تمتد إلى أعماق البحر

في اليوم العالمي للمحيطات .. الإمارات زرقة تُصان وجهود تمتد إلى أعماق البحر

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 8 يونيو 2026 12:51 مساءً - تزامناً مع اليوم العالمي للمحيطات، الذي يصادف الثامن من يونيو من كل عام، تواصل  دولة جهودها في حماية البيئة البحرية، لا بوصفها ملفاً بيئياً فحسب، بل باعتبارها عهداً بين الإنسان والمكان، وبين حاضرٍ يعرف قيمة البحر، ومستقبلٍ لا يكتمل إلا إذا بقيت مياهه نابضة بالحياة.

فالبحر في الإمارات لم يكن يوماً مشهداً عابراً على أطراف المدن، بل كان باب الرزق الأول، وذاكرة اللؤلؤ، وطريق التجارة، ورفيق الأجداد في رحلات الصبر والعمل.

ومن هذه العلاقة العميقة، جاءت جهود الدولة في حماية المحيطات والسواحل امتداداً طبيعياً لتاريخ طويل، يجمع بين الوفاء للماضي، ومسؤولية الحاضر، وحق الأجيال المقبلة في بحر نظيف آمن حي.

منظومة وطنية

تعمل دولة الإمارات على حماية بيئتها البحرية عبر منظومة واسعة من التشريعات والمبادرات، تشمل الحد من التلوث البحري، وتنظيم الصيد، وحماية الموائل الساحلية، وصون الكائنات البحرية، والمحافظة على الشعاب المرجانية وأشجار القرم والأعشاب البحرية.

وتؤكد المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات أن الدولة أقرت قوانين وقرارات لحماية الحياة البحرية، ومنع تلويث المياه، وتنظيم الصيد، وإدارة البيئة البحرية والساحلية بصورة متكاملة، بما يحفظ دورها الحيوي في الأمن البيئي والاقتصادي. كما ينسجم ذلك مع الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بحماية الحياة تحت الماء.

ذاكرة الساحل

وفي دبي، تتجلى حماية البحر في مشروعات تمتد من الشاطئ إلى الأعماق. فالإمارة التي ارتبط اسمها بالميناء والتجارة والانفتاح على العالم، تنظر إلى بيئتها البحرية باعتبارها جزءاً من شخصيتها الحضارية، ومكوناً رئيسياً في جودة الحياة والاستدامة.

وتبرز محمية جبل علي للحياة الفطرية، التي تمتد على مساحة 75.2 كيلومتراً مربعاً، بوصفها واحدة من أهم البيئات الساحلية في دبي، إذ تضم منظومة نادرة تجمع بين الشعاب المرجانية، ومروج الأعشاب البحرية، وأشجار القرم، والطيور، والأسماك، والزواحف. وتُعد المحمية كذلك موقع التعشيش الوحيد المعروف لسلاحف منقار الصقر المهددة بالانقراض في دبي، ما يمنحها قيمة بيئية خاصة تتجاوز حدود المكان إلى أهمية عالمية في حماية الأنواع المهددة.

مَشدّ دبي

ومن أبرز المبادرات الحديثة في دبي مشروع «مَشدّ دبي»، الذي يُعد من أكبر مشروعات الشعاب البحرية المصممة في العالم، ويهدف إلى تعزيز التنوع البيولوجي البحري، ودعم المخزون السمكي، ورفع مرونة النظم البيئية في مياه الإمارة.

وقد وصل المشروع إلى محطة مهمة مع إنجاز تصنيع أول 1000 وحدة شعاب مصممة خصيصاً، في خطوة تمهد لتوسيع المشروع وإيجاد موائل بحرية جديدة قادرة على جذب الكائنات ودعم تكاثرها. وتشير بيانات حديثة إلى أن موقع التجربة الأولية للمشروع أظهر نمواً واضحاً في الحياة البحرية، مع زيادة ملحوظة في أعداد الأسماك ضمن 15 نوعاً محلياً، من بينها الهامور والنهاش والباراكودا.

وتكمن أهمية «مَشدّ دبي» في أنه لا يكتفي بصنع هياكل في قاع البحر، بل يؤسس لمساحة بيئية جديدة تعيد إلى الأعماق قدرتها على احتضان الحياة، وتمنح الكائنات البحرية ملاذاً آمناً في عالم تتزايد فيه الضغوط على النظم الساحلية.

غابات الشاطئ

ولا تقل أشجار القرم شأناً في منظومة الحماية البحرية، فهي ليست أشجاراً تقف عند حافة الماء، بل حراس خضر للسواحل، ومخازن طبيعية للكربون، وحواضن لصغار الأسماك، وملاجئ للطيور والكائنات البحرية.

وعلى المستوى الوطني، تستهدف دولة الإمارات زراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول عام 2030، ضمن المشروع الوطني لعزل الكربون، بما يعزز دور النظم الساحلية في مواجهة تغير المناخ وحماية التنوع البيولوجي.

وفي دبي، أطلقت سلطة دبي للبيئة والتغير المناخي مبادرة لزراعة 40 ألف شجرة قرم خلال عامين في محمية جبل علي للحياة الفطرية، ضمن توجه يعزز استعادة الموائل الطبيعية ويدعم قدرة الساحل على مواجهة التحديات المناخية. كما نفذت هيئة كهرباء ومياه دبي، بالتعاون مع مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، حملة بيئية أسفرت عن زراعة 13,350 شجرة قرم في محمية جبل علي البحرية بين عامي 2023 و2025، بمشاركة أكثر من 1,650 متطوعاً، إلى جانب إزالة أكثر من 3.5 أطنان من المخلفات من شواطئ المنطقة.

تنظيف الشواطئ

ولا تقف حماية البحر عند زراعة القرم أو إنشاء الشعاب، بل تشمل عملاً يومياً في التنظيف والرصد وإدارة الموائل. ففي حملات بيئية بدبي، تمت إزالة 3,100 كيلوغرام من المخلفات من شواطئ محمية جبل علي، وجمع 8 أطنان من الطحالب والأعشاب البحرية لاستخدامها في الدراسات العلمية الخاصة بالبيئات البحرية.

وتُظهر هذه الأرقام أن حماية البحر ليست عبارة جميلة تُقال في المناسبات، بل عمل ميداني يبدأ من إزالة المخلفات، ويمر عبر مراقبة الأنواع والكائنات، وينتهي إلى بناء معرفة علمية تساعد على حماية النظم البحرية على المدى الطويل.

السلاحف البحرية

وتعد السلاحف البحرية من أبرز الكائنات التي حظيت باهتمام خاص في دبي. فمن خلال مشروع دبي لإعادة تأهيل السلاحف البحرية، تُنقذ السلاحف المصابة أو المريضة، وتعالج، ثم يعاد إطلاقها إلى البحر، في رحلة تشبه عودة الحياة إلى موطنها الأول.

ولا يقتصر دور المشروع على العلاج والإطلاق، بل يمتد إلى التوعية والبحث العلمي وتتبع حركة السلاحف عبر الأقمار الاصطناعية، بما يساعد على فهم مساراتها وحماية بيئاتها. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة مع وجود سلاحف منقار الصقر في محمية جبل علي، وهي من الأنواع المهددة بشدة، والتي يشكل بقاؤها دليلاً على صحة الموائل الساحلية وقدرتها على احتضان الحياة.

موانئ صديقة

وفي جانب آخر من جهود دبي، يعمل ميناء جبل علي على تعزيز الحياة البحرية من خلال مبادرة «Living Seawalls»، بالتعاون مع «دي بي ورلد»، عبر استخدام ألواح بحرية مبتكرة تحاكي الموائل الطبيعية، وتساعد على إعادة الكائنات البحرية إلى الخطوط الساحلية والمنشآت البحرية.

وتعكس هذه المبادرة تحولاً مهماً في النظرة إلى البنية التحتية الساحلية، إذ لم تعد الجدران البحرية والموانئ مجرد منشآت صلبة تفصل اليابسة عن الماء، بل يمكن أن تتحول إلى مساحات تساعد الحياة البحرية على العودة والنمو، إذا صُممت بروح تستمع إلى حاجات الطبيعة.

عهد أبوظبي

وعلى امتداد الدولة، تبرز أبوظبي بدورها في حماية النظم البحرية، خصوصاً من خلال مبادرات القرم والأعشاب البحرية وأبقار البحر والسلاحف. وتستهدف مبادرة أبوظبي للقرم، ضمن الهدف الوطني الأشمل، زراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول 2030، فيما تشير بيانات مكتب أبوظبي الإعلامي إلى زراعة أكثر من 44 مليون شجرة قرم منذ عام 2020.

وتشكل الأعشاب البحرية في أبوظبي موئلاً مهماً لأبقار البحر والسلاحف والأسماك، وهي من النظم البيئية التي تعمل كحاضنات طبيعية للحياة البحرية. وقد أظهرت مسوحات بيئية حديثة في الإمارة زيادة تفوق 20% في أعداد أبقار البحر، وأكثر من 30% في أعداد السلاحف البحرية، بما يعكس أثر الرصد العلمي والحماية المستمرة في تعزيز صحة البيئة البحرية.

الكربون الأزرق

وتكتسب أشجار القرم أهمية مضاعفة في سياق تغير المناخ، لأنها من أبرز حلول «الكربون الأزرق» القادرة على تخزين الكربون في النظم الساحلية. وتشير بيانات منشورة إلى أن دولة الإمارات كانت تضم 60 مليون شجرة قرم تغطي 183 كيلومتراً مربعاً، وتلتقط نحو 43 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، على أن يسهم هدف زراعة 100 مليون شجرة إضافية في رفع مساحة غابات القرم إلى 483 كيلومتراً مربعاً، وزيادة قدرتها على عزل الكربون إلى نحو 115 ألف طن سنوياً.

وهكذا يصبح القرم أكثر من شجرة؛ إنه ذاكرة خضراء للمكان، وحصن طبيعي للشاطئ، وشريك صامت في معركة العالم ضد التغير المناخي.

ذاكرة ومستقبل

وفي اليوم العالمي للمحيطات، تبدو جهود الإمارات في حماية البحر امتداداً لعلاقة قديمة بين الإنسان والساحل. فالذي خرج قديماً إلى البحر طلباً للرزق، يعود اليوم إليه بأدوات العلم والتشريع والتقنية، لا ليأخذ منه فقط، بل ليصونه ويرد إليه شيئاً من الجميل.

وتؤكد المبادرات الإماراتية أن حماية المحيطات ليست ترفاً بيئياً، بل ضرورة لحماية الغذاء والسواحل والمناخ وجودة الحياة.

وبين زرقة الخليج وامتداد المحيطات، تمضي الإمارات في ترسيخ نموذج يقوم على أن البحر ليس مورداً يُستنزف، بل حياة تُصان، وذاكرة تُحفظ، وأمانة تُسلّم من جيل إلى جيل.

Advertisements

قد تقرأ أيضا