الدوحة - سيف الحموري - في زمن «الخصوصية» وجفاف العلاقات الاجتماعية المعاصرة لصالح الاستقلالية و»ثقافة العزلة»، يستذكر مواطنون: قيم التكافل في الفريج القطري ومظاهر الترابط الأسري الذي كان يميز أبناء الحي الواحد قديماً. طوفان من الحنين إلى جدران الطين، وجيرة أهل الفريج والأبواب المشرعة والقلوب المفتوحة بلا حواجز، حيث العلاقات الاجتماعية «كانت» عنوان الحياة اليومية وأهل الفريج كانوا كعائلة واحدة تتخطى حدود جدران البيوت المتلاصقة، نعم، البيوت التي تصالحت مع البساطة لقرون.
الأبواب التي تُفتح دون استئذان والزيارة التي تحصل دون موعد مسبق. أمي تسلم عليكم.
هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟
مع تغير أنماط الحياة وتسارع تفاصيلها، يأتي إطلاق المبادرة الاجتماعية «الجار» بهدف معالجة ضعف الروابط الاجتماعية بين الجيران الذي نتج عن التحولات المجتمعية وتعزيز العلاقات الإنسانية بين الجيران، وإحياء التواصل التقليدي بينهم كواحدة من العادات الشعبية الموروثة التي أوشكت أو قل في طريقها للاندثار بفعل تطور الحياة العصرية ووسائل التواصل الاجتماعي.
يفتح هذا المشروع الباب أمام الجميع بمن فيهم الشباب والمتطوعين وأصحاب الخبرات والنشطاء في الفرجان، لتسخير معارفهم في خدمة جيرانهم ومن خلال دعوة كافة شرائح المجتمع وصنّاع الأثر ليكونوا شركاء فاعلين في مبادرة «الجار» وتحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية تعيد الروابط الاجتماعية التي تجمع الناس وبعضها.

فيصل التميمي رئيس اللجنة: مبادرة استثنائية تطرح لأول مرة من أرض قطر الخير
قال الأستاذ فيصل إبراهيم التميمي رئيس لجنة مبادرة «الجار» إن المبادرة تشكل حدثاً مجتمعياً وإنسانياً استثنائياً يُطرح لأول مرة من أرض قطر الخير، لتعيد إحياء أواصر الجيرة العريقة وترسيخ ثقافة التواصل والتراحم في أحيائنا وفرجاننا، شعارنا في ذلك (قيم تحفظ مجتمعنا.. وجوار يجمعنا).وأضاف: لا نسعى في هذه المبادرة إلى استعادة نمط الحياة القديم حرفياً، ولكن نحرص على استلهام القيم الإنسانية النبيلة والروح الأصيلة لـ (الفريج القطري) القائمة على النخوة والفزعة والتزاور، وإعادة تقديمها بصيغ وأدوات معاصرة تتلاءم مع التحولات العمرانية والرقمية وتنوعنا السكاني المتناغم.
وأوضح أن هويتنا الفكرية في المبادرة ترتكز على الانتقال من مجرد التوعية بقيمة الجار إلى صناعة بيئة تساعد على ممارسة الجوار سُلوكياً، وتفتح مساحات للتعارف والاندماج الإيجابي بين كافة مكونات المجتمع من مواطنين ومقيمين في إطار يحترم الهوية الوطنية. وأعرب التميمي عن تقديره للترحيب الواسع والتجاوب رفيع المستوى الذي حظيت به المبادرة من مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة والتي رأت فيها مشروعا قيميا ووطنيا يتكامل مع تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030، مؤكداً أن التفاف كافة القطاعات، أفرادا ومؤسسات هو الركيزة الأساسية لإنجاح هذا المشروع الحضاري واستدامة أثره.

صباح الهاجري: نستعد لإطلاق «ميثاق الجار»
أكد الأستاذ صباح نادر الهاجري، نائب رئيس لجنة مبادرة «الجار» إن الأخيرة تمتاز بكونها مبادرة حية وميدانية ومستدامة تمتد برامجها على مدار العام وتمثل محطة كبرى تتوج حراكاً مجتمعيا شاملا ينزل مباشرة إلى قلب الأحياء والمدارس والمساجد، والحدائق العامة والمجالس.
وأوضح أن المبادرة تستعد لإطلاق حزمة من المعالم والبرامج التفاعلية الكبرى، بدءاً من إطلاق «ميثاق الجار» و«كتاب الحي» إلى جانب الأنشطة الفكرية والتوعوية في الجامعات والمؤسسات حول جودة التواصل الإنساني.
وأضاف: نُعدّ العدة حالياً لإطلاق فعالية رئيسية مهمة ذات طابع رياضي ومجتمعي في شهر نوفمبر القادم بمشيئة الله ستكون بمثابة انطلاقة وتدشين ميداني للمبادرة لتجمع تحت مظلتها تمثيلاً لكافة الشرائح المستهدفة والشركاء والداعمين والجاليات وندعو الجميع لترقبها والمشاركة في صنع أثرها.
وأشار إلى أن هذا المشروع يفتح الباب واسعاً أمام الجميع وخاصة الشباب والمتطوعين وأصحاب الخبرات والتخصصات في الفرجان، لتسخير معارفهم في خدمة جيرانهم.
ودعا الهاجري كافة شرائح المجتمع وصنّاع الأثر ليكونوا شركاء فاعلين في تحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية تعزز أمن مجتمعنا واستقراره.

الداعية د. محمود عبدالعزيز: إشراك الشباب والأطفال في ثقافة الجيرة
ثمَّن فضيلة الداعية الدكتور محمود عبدالعزيز، أستاذ الفقه المقارن وعضو مكتب الفتوى سابقاً: مبادرة «يوم الجار» مبينا أنها مبادرة مجتمعية إيجابية تستحق الدعم والتشجيع؛ لأنها تعيد تسليط الضوء على قيمة أصيلة في الدين الإسلامي والموروث الاجتماعي القطري، وتذكّر الناس بأن الجيرة مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وليست مجرد مجاورة في السكن.
وأوضح أن المبادرة تكتسب أهميتها من أنها تحول قيمة عامة إلى فعل اجتماعي ملموس؛ فبدلًا من أن نتحدث عن أهمية الجار بصورة نظرية، تأتي المبادرة لتدفع الناس إلى التعارف، وتبادل الزيارات، والتعاون، وإحياء المجالس واللقاءات التي كانت من السمات المميزة للفرجان القطرية.
وأشار إلى أن المجتمع القطري يمتلك رصيدًا ثقافيًّا واجتماعيًّا مهمًّا يمكن البناء عليه؛ فالمجلس، والزيارة، وإكرام الضيف، والتعاون بين الجيران، كلها قيم يمكن استثمارها في تطوير مبادرات عصرية تعزز الترابط بين المواطنين والمقيمين، وتدعم التعايش والتكافل بين مختلف فئات المجتمع.
وأكد أن نجاح «يوم الجار» يتوقف على ألا تبقى مجرد فعالية ليوم واحد، تنتهي بانتهاء الاحتفال أو نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي. والأهم أن يتحول يوم الجار إلى بداية لعلاقة تستمر طوال العام. وأقترح تطوير المبادرة في عدة اتجاهات:
* تخصيص لقاءات دورية للتعارف بين سكان كل حي أو فريج.
* إطلاق مبادرات لتفقد كبار السن والمرضى ومساندة الأسر المتعففة، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
* تنظيم أنشطة للأطفال والشباب تعزز التطوع واحترام الجار والمسؤولية المجتمعية.
* تشجيع الأسر على المبادرات البسيطة، مثل تبادل الأطباق، والزيارات الودية، والترحيب بالجيران الجدد.
* الاستفادة من المساجد والمجالس والمراكز المجتمعية في ترسيخ ثقافة التواصل، مع احترام خصوصية السكان واختلاف ظروفهم.
* وضع مؤشرات لقياس الأثر، مثل زيادة المشاركة المجتمعية، واستمرار اللقاءات، وتوسع المبادرات التطوعية، بدلًا من الاكتفاء بعدد المشاركين في يوم الفعالية.
ومن المهم كذلك أن تكون المبادرة جامعة للجميع، وألا تقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية معينة، وأن تراعي طبيعة الحياة الحديثة وضيق الوقت واختلاف العادات والخصوصيات.
وأشار إلى أن مثل هذه المبادرات تتكامل مع جهود الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات المجتمعية، ويمكن أن تسهم في بناء أحياء أكثر ترابطًا، إذا اقترنت بالاستمرارية والتنظيم والمشاركة الفعلية من السكان.
وأوضح أن الإسلام أولى الجار مكانة عظيمة، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا… وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ النساء: 36. وقال النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه. وهذا يدل على أن حق الجار ليس أمرًا تكميليًّا في حياتنا، بل هو قيمة شرعية وأخلاقية راسخة.
وأضاف: عرفت أحياؤنا وفرجاننا في الماضي صورًا جميلة من التلاحم؛ فالجيران يتفقد بعضهم بعضًا، ويتبادلون الطعام، ويشاركون في المناسبات، ويسارعون إلى مساعدة المحتاج، ويشعر كل فرد بأن جاره ليس غريبًا عنه، بل هو أقرب الناس إليه عند الحاجة. لكن مع تطور الحياة العصرية، وتسارع إيقاعها، والانشغال بالأعمال والالتزامات، والاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الرقمية، تراجعت بعض صور التواصل المباشر، وأصبح من الممكن أن يسكن الإنسان سنوات بجوار آخر دون أن يعرف اسمه أو ظروفه.ونوه بأهمية إحياء ثقافة الجيرة لأنها تحقق ثلاثة أمور أساسية: تعزيز الأمن النفسي والاجتماعي حين يعرف الإنسان جيرانه، يشعر بأنه ليس وحده، وأن هناك من يطمئن عليه ويسانده عند الحاجة. حماية الفئات الأكثر احتياجًا ككبار السن، والأرامل، والمرضى، والأسر التي تمر بظروف صعبة، فقد يكون الجار أول من يكتشف حاجتهم وأسرع من يستطيع مساعدتهم. وتقوية الانتماء للمجتمع فالمجتمع المتماسك لا يقوم على القوانين والخدمات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى المودة والثقة والمسؤولية المتبادلة.
وأشار إلى أن معالجة العزلة الاجتماعية تحتاج إلى الانتقال من مجرد الدعوة إلى التواصل إلى بناء ثقافة يومية تجعل التواصل عادة طبيعية، لا مناسبة استثنائية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إعادة إحياء المبادرات الاجتماعية البسيطة مثل تبادل الزيارات، وتقديم الطعام للجيران، والتهنئة بالمناسبات، والسؤال عن الغائب، وزيارة المريض، ومواساة من فقد عزيزًا. فهذه التصرفات البسيطة قد تبدو محدودة، لكنها تصنع مع الوقت رصيدًا كبيرًا من الثقة والمحبة، إلى جانب تنظيم لقاءات دورية لأهالي الحي وتوظيف وسائل التواصل في خدمة الجيرة من خلال إنشاء مجموعات رقمية خاصة بسكان الحي وإشراك الشباب والأطفال في ثقافة الجيرة، مبينا أن التربية على احترام الجار تبدأ من الأسرة والمدرسة.

ناصر جبر المري: استعادة روح الفرجان والعلاقة بين الجيران
قال السيد ناصر جبر المري: إن الإسلام عظّم حق الجار، وقد ظل جبريل عليه السلام يوصي نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظن النبي أن الشرع سيأتي بتوريث الجار: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وأضاف: الجار في الحيّ قبل عقود ليس مجرد شخص يسكن بجوارنا، بل كان جزءًا من حياتنا اليومية. نعرف أحواله، ونشاركه أفراحه، ونسأل عنه إذا غاب، ونقف إلى جانبه إذا احتاج إلينا، ولكن مع تطور الأحياء السكنية وتغير نمط الحياة، فقد تراجعت العلاقة بين الجيران وأبناء الفرجان وإن كانت قيم الجيرة والتكافل لا تزال موجودة في المجتمع القطري، لكنها تحتاج إلى مزيدٍ من الاهتمام، فمشاغل الحياة وضغوط العمل، جعلت التواصل بين بعض الجيران أقل مما كان عليه في الماضي. وقد يسكن الإنسان بجوار جاره سنوات طويلة دون أن يعرف عنه سوى القليل.
وأوضح المري أن استعادة روح الفريج لا تحتاج إلى خطوات معقدة، بل تبدأ من أمور بسيطة؛ أن نسأل عن جيراننا، ونتفقد كبار السن منهم، ونشاركهم المناسبات، ونبادر إلى مساعدتهم عند الحاجة. كما أن الزيارات بين المجالس ومبادرات الأحياء والأنشطة الاجتماعية المشتركة يمكن أن تسهم في إعادة التعارف وتقوية الروابط بين سكان الحي.ونوه بدور الأسرة في هذا الجانب، من خلال تربية الأبناء على احترام الجار وتقديره، وتعويدهم على أن العلاقات الإنسانية لا تُبنى عبر الشاشات وحدها، بل تحتاج إلى لقاء مباشر ومواقف صادقة ومبادرات متبادلة.
وأضاف: ولا يعني ذلك أن نعود إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما أن نحافظ على أجمل ما فيه، وننقله إلى أبنائنا بأساليب تناسب حياتنا اليوم. فنجاح الحي السكني لا يقاس بجمال مبانيه وتوافر خدماته فقط، بل أيضًا بمدى الترابط بين سكانه. وعندما نعيد للجيرة مكانتها، فإننا لا نحافظ على عادة اجتماعية قديمة فحسب، بل نعزز مجتمعًا أكثر تماسكًا وتراحمًا، يشعر فيه كل فرد بأنه ليس وحده، وأن هناك من يسأل عنه ويقف إلى جانبه.

موفق عبدالرحمن محمد: حُسن الجوار.. بوصلة الأمان الإنساني والذوق الجمعي
قال الأستاذ موفق عبدالرحمن محمد: إن الجوار يتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة القائمة على تلاصق الجدران أو المصادفة الهندسية التي تجمع منازل متجاورة في أي خطة سكنية، فهو في حقيقة أصله بناء إنساني وركيزة قيمية عميقة تتكشف فيها حقيقة الذوق الجمعي ومدى نضج الضمير الاجتماعي والأخلاقي لدى الأفراد والمجتمعات.وأوضح أن حسن الجوار في جوهره يعكس السكينة الاجتماعية بل والأمان النفسي الذي يمنح الفرد شعورا ثابتا بالطمأنينة، مبينا أن الجار الصالح ليس هو الملاذ الأول عند الخطوب والنائبات فحسب، بل هو الحارس الخفي لسكن الأرواح وراحة بال أهل الحي والسلطة الناعمة التي تشبع اللياقة والسلام والإيجابية في الفضاء اليومي. وأشار إلى أن قيم التكافل وحسن الجوار اختبرتها الشرائع وسجلتها ثقافة الأمم والشعوب عبر التاريخ كمعيار حضاري تقاس به مروءة الأفراد ورقي المجتمعات، فالحضارات الحية هي التي جعلت من مفهوم الجوار قاعدة سلوكية ومبدأ حاكما فأحاطت المجاورة بهالة من التعظيم وجعلت حماية الجار وإكرامه وصون كرامته جزءاً من هويتها الناصعة ورصيدها الأخلاقي ويتبدى ذلك في قول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهما: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ).
وأكد أن استدامة حُسن الجوار تتطلب وعيا فرديا يترجم حقوق الجار إلى سلوك يومي تلقائي يُسهم في حراسة النسيج الاجتماعي من التفكك، ويَحُول بين الأحياء السكنية وبين الجفاف الروحي. ومع تسارع أنماط الحياة وتمدد الفضاءات العصرية هذه يظل حُسن الجوار هو البوصلة التي تعيد للإنسان اتزانه وانسجامه _ وتضمن ألا تتحول الأحياء والمدن إلى كتل خرسانية صامتة، بل إلى مجتمعات حية نابضة بالسكينة _ يتكامل فيها الجمال المعماري مع لياقة السلوك البشري لنمنح انفسنا بيئة إنسانية رفيعة تليق بكرامة الإنسان وخيريته.
