حال الإمارات

قرقاش: نجاح الإمارات في التصدي للاعتداءات الإيرانية تجاوز الإنجاز العسكري إلى جاهزية وطنية شاملة

قرقاش: نجاح الإمارات في التصدي للاعتداءات الإيرانية تجاوز الإنجاز العسكري إلى جاهزية وطنية شاملة

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 7 سبتمبر 2026 01:06 مساءً - قال معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، إن دولة واجهت خلال الأشهر الستة الماضية تحدياً غير مسبوق، مؤكداً أن نجاحها في مواجهة الاعتداءات الإيرانية لم يكن إنجازاً عسكرياً فحسب، وإنما تعبيراً عن جاهزية وطنية شاملة، ساهمت في الحفاظ على المكتسبات وأمن المواطن والمقيم.

وأكد معالي الدكتور أنور قرقاش أن الأزمة لم تدفع الإمارات إلى خفض طموحاتها أو تغيير أهدافها التنموية، حيث واصل الاقتصاد الوطني النمو رغم استمرار التحديات الأمنية، مضيفاً بأن "التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات نمت خلال النصف الأول من العام بنسبة 13% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي"، لافتاً إلى أن بعض القطاعات تأثرت بصورة طبيعية، إلا أن الاقتصاد لم يتعثر، بل واصل النمو والتوسع، ولا سيما في القطاعات التي يعتمد عليها مستقبل الدولة.

وجاءت تصريحات معالي أنور قرقاش خلال الكلمة الخاصة لانطلاق فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى هيلي» السنوي، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع والتداعيات وتصحيح المسار»، بمشاركة 75 متحدثاً ونحو 1000 مشارك من 35 دولة، بينهم نخبة من كبار المسؤولين.

وأوضح معاليه أن إيران أطلقت نحو 3300 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه دولة الإمارات، استهدفت الغالبية العظمى منها البنية التحتية المدنية والمدنيين، مدمرة بذلك سنوات طويلة من جسور العلاقات خلال ساعات معدودة، مشيداً بكفاءة القوات المسلحة الإماراتية وقدرتها على التعامل مع هذه الهجمات.

وقال معاليه: «يمكنني وصف ذلك ببساطة بأنه إنجاز عسكري، وبالفعل كان إنجازاً ملحوظاً، نقدم فيه تحية تقدير لقواتنا المسلحة عالية الكفاءة، مضيفاً بأن الإمارات واجهت هذا التحدي «بثقة وعزم»، مستمدة قوتها من القيادة واحترافية مؤسسات الدولة ووحدة شعبها.

وأشار إلى أن الدولة، رغم الظروف الاستثنائية، واصلت الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين والمقيمين والزوار، مؤكداً أن الإمارات حافظت على وعدها بأن يكون الجميع في أمان، وأن يجد من يختار بناء حياته فيها بيئة مستقرة ومزدهرة.

وقال معالي الدكتور أنور قرقاش إن الحرب الأخيرة كانت «حرباً عملنا جاهدين لتجنبها»، محذراً من أن الصراعات الكبرى لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية، وإنما تترك وراءها تداعيات سياسية وأمنية واستراتيجية تمتد لسنوات وربما لعقود.

وأشار إلى أن تجربة حرب العراق عام 2003 وما أعقبها من فوضى في بعض الدول خلال السنوات الماضية، لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، مؤكداً أن تلك التجربة قدمت درساً واضحاً مفاده أن الحروب الكبرى تنتج «هزات ارتدادية سياسية وأمنية واستراتيجية» قادرة على إعادة تشكيل المنطقة لفترات طويلة.

وأضاف معاليه أن الأشهر الستة الماضية أعادت تشكيل المشهد الاستراتيجي للمنطقة، وأنتجت بيئة خليجية «أكثر تعقيداً وضبابية» من السابق، معتبراً أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تحدياً على المستويين الخليجي والإقليمي الأوسع.

الاستقلالية

وأكد قرقاش أن الاستقلالية الاستراتيجية لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت «حقيقة سياسية عقلانية» مبنية على ما تقدمه عملياً لأمننا ومصالحنا الوطنية.

وأوضح أن الاستقلال الاستراتيجي بالنسبة إلى الإمارات يعني القدرة على الحفاظ على النمو الاقتصادي، وضمان سلامة الشعب، والحفاظ على القرار الوطني.

وأشار إلى أن العدوان الإيراني على دول الخليج أعاد ترتيب الحسابات الاستراتيجية في المنطقة، وأعاد إلى الواجهة قضايا الأمن البحري والتجارة وأمن الطاقة، التي أصبحت في مقدمة الأولويات.

وكشف معالي أنور قرقاش أن الإمارات بدأت بالفعل في تسريع وتيرة عدد من الإجراءات التي تستند إلى الدروس المبكرة للأزمة، من بينها تسريع إجراءات توسيع طاقة الموانئ على الساحل الشرقي، وتعزيز شبكات خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وتطوير الممرات البديلة للبضائع.

وأكد أن صادرات الطاقة والتجارة والأنشطة الاقتصادية الإماراتية لن تكون عرضة للتعطيل، مشيراً إلى أن الدولة تعتمد في ذلك على نهج استباقي يقوم على التخطيط المسبق وسرعة التنفيذ.

وقال معاليه إن العديد من هذه الخطط لم يبدأ مع الأزمة، وإنما كان موجوداً بالفعل، إلا أن الأحداث الأخيرة أسهمت في تسريع جداولها الزمنية وزيادة الإلحاح في تنفيذها.

مركزية

وأكد معاليه أن التعامل مع إيران يمثل قضية مركزية لجميع دول الخليج، خاصة وان الجغرافيا تجعل إيران جارة لا يمكن تجاهلها، مضيفاً بأن دول المنطقة ستحتاج في مرحلة ما إلى إيجاد طريقة لاستعادة «ما يمكن استعادته» من العلاقة مع إيران، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين إعادة بناء علاقة ضرورية ووظيفية وبين إعادة بناء الثقة التي تعرضت لأضرار كبيرة.

انتهاك

وأضاف أن إطلاق إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات ودول أخرى في الخليج والمنطقة، رغم أنها لم تهاجم إيران، لم يكن مجرد رد فعل متهور أو قراراً اتخذ خلال 24 أو 48 ساعة، بل كان «حرب اختيار مدبرة شُنت ضد جيرانها في انتهاك مباشر للقانون الدولي».

واعتبر قرقاش أن هذه الخطوة مثلت «فشلاً ذريعاً للاستراتيجية وفن الحكم»، مشيراً إلى أنها ألحقت أضراراً كبيرة بالجسور التي استغرق بناؤها عقوداً بين إيران وجيرانها الخليجيين.

وأكد أن استعادة العلاقة الوظيفية ممكنة، إلا أن إعادة بناء الثقة ستحتاج إلى وقت طويل، وربما سنوات أو عقود، بعد انهيار افتراض حسن النية الذي دعم جانباً كبيراً من تفاعل دول الخليج مع إيران.

ودعا معالي الدكتور أنور قرقاش إلى تقييم صريح للاستجابات الإقليمية والدولية للأزمة، معتبراً أن هذه الاستجابات كانت، في مجملها، «غير فعالة ومخيبة للآمال»، سواء في منع الحرب أو حماية تدفق الطاقة والتجارة البحرية أو احتواء الأزمة الإقليمية الأوسع.

وأوضح أن التعاون بين دول الخليج كان موجوداً ومهماً، لكنه رأى أن المنطقة لم ترتقِ جماعياً إلى مستوى التحدي الاستراتيجي بالقدر الذي حدث خلال أزمات سابقة، مثل غزو الكويت أو تداعيات الربيع العربي.

وقال إن المشكلة لم تكن في غياب الفهم لطبيعة التحدي الإيراني، إذ إن دول المنطقة اتفقت لسنوات على تشخيصه، وإنما في عدم ترجمة هذا الفهم المشترك إلى «استجابة موحدة واستراتيجية كافية».

الدولي

وأشار معاليه إلى أن الأزمة الخليجية تتزامن مع اضطراب أوسع في النظام الدولي، على المستويات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، معتبراً أن المنطقة تواجه «زوبعة داخل زوبعة».

وقال إن الحرب أثارت تساؤلات جوهرية حول فاعلية قنوات الحوار وخفض التصعيد، وقدرة الدول على ضبط النفس خلال الأزمات، وكذلك حول سبل تعزيز الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وأضاف أن الأزمة كشفت عن «محدودية النظام الدولي نفسه»، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة لم تتمكن من أداء دور فعال في منع التصعيد أو احتواء الصراع أو حماية بعض المبادئ الأساسية التي يفترض أن يقوم عليها النظام الدولي.

هرمز

وأكد قرقاش أن وضع مضيق هرمز يقع في قلب المواجهة الحالية، حيث يتوجب التعامل معه باعتباره ممراً مائياً دولياً ذا أهمية عالمية، موضحاً في الوقت نفسه بإن حرية الملاحة في المضيق لا يمكن أن تخضع للإكراه، وإنه لا ينبغي لأي دولة منفردة أن تتعامل معه باعتباره امتيازاً استراتيجياً يمكن تعطيله.

وحذر معاليه من أن استمرار تهديد السفن التجارية والناقلات بالألغام أو الطائرات المسيرة أو الصواريخ لا يمكن أن يصبح أمراً مقبولاً، لافتاً إلى أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يفرض تكلفة باهظة على العالم بأسره، نظراً إلى تأثيراته على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة والأمن الغذائي.

وأشار إلى أن نحو ربع النفط المنقول بحراً في العالم يمر عبر المضيق، إلى جانب نسبة مهمة من الأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون حول العالم، مضيفاً بإن الأسمدة «هي حصاد العام القادم»، وبالتالي فإن أي تعطيل للممر البحري لا يمثل مجرد مشكلة إقليمية، وإنما يمس طاقة العالم وجزءاً كبيراً من تجارته وأمنه الغذائي.

وأكد أن حرية الملاحة «ليست تنازلاً يُمنح ولا مبدأً يُعاد التفاوض بشأنه تحت الضغط»، وإنما هي مبدأ راسخ في القانون الدولي، ويتعين على المجتمع الدولي الاستعداد للدفاع عنه.

4 اولويات

ورأى قرقاش أن المرحلة المقبلة تتطلب ترتيبات مستدامة تقوم على القانون الدولي وقواعد واضحة ومشتركة، محدداً 4 أولويات تتضمن ان يكون الاستقرار مستدام وذلك عبر خفض التصعيد، وان يتم التعامل مع هرمز باعتبار ممر عالمي، وان نأخذ نهج اقتصادي يحافظ على استقرار المنطقة عبر ضمانات حقيقة، وان يكون هناك حوار يتعلق بأهمية سيادة الدول وعدم التدخل في سياستها.

كما شدد على ضرورة توفير ضمانات موثوقة تحول دون تكرار الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مؤكداً أن قرارات الحرب والسلام يجب ألا تكون في أيدي الميليشيات أو الجهات المسلحة من غير الدول، بل يجب أن تعود إلى مؤسسات الدولة الشرعية.

وأضاف أن التعامل مع الملف النووي الإيراني يتطلب مساراً واضحاً، تكون شروطه وآليات التحقق منه وعواقب عدم الامتثال له محددة بوضوح.

الردع

وأكد قرقاش أن الأزمة عززت درساً مهماً مفاده أن الاعتماد على القدرات الوطنية يجعل أمن الدولة في مقدمة أولوياتها، بينما لا يمكن دائماً افتراض أن الآخرين سيضعون أمنها في مقدمة أولوياتهم.

وشدد في الوقت ذاته على أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني العزلة الاستراتيجية، مؤكداً أن الشراكات طويلة الأجل، ولا سيما الشراكة مع الولايات المتحدة، تظل جزءاً أساسياً من أمن الإمارات ومصدراً مهماً للقوة.

وفي موازاة الردع، شدد معاليه على ضرورة الالتزام بالحوار والدبلوماسية، مؤكداً أن الحوار مع إيران يجب أن يتجاوز القضايا الآنية والمعاملاتية ليشمل الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تؤثر في أمن الخليج.

وأوضح معاليه أن هذه الملفات تشمل التدخلات الإقليمية، وحرية الملاحة، والتعاون الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة، مؤكداً في الوقت نفسه، بأن الحكم على نوايا إيران يجب أن يستند في النهاية إلى أفعالها، وليس إلى أقوالها وإعلاناتها فقط.

فرصة

وأشار قرقاش إلى أن الخليج لا يزال من أكثر مناطق العالم أهمية وواعدة، مؤكداً أن إرساء مبدأ دائم لعدم العدوان والاحترام المتبادل يمكن أن يفتح المجال أمام فرص اقتصادية كبيرة وبناء مساحة إقليمية أكثر ازدهاراً.

وقال إن الجميع لديه مصلحة في الاستقرار الإقليمي، معتبراً أن على إيران أن تدرك أن العدوان على دول الخليج يمثل «سوء تقدير استراتيجي خطير» أضر بعلاقاتها مع جيرانها وعمق عزلتها.

وأكد أن طريق الخروج من الأزمة لا يمر عبر تهديد الجيران أو حرق الجسور معهم، وإنما عبر إعادة بناء هذه الجسور، ومواصلة خفض التصعيد، والعمل من أجل تسوية سياسية دائمة.

أكد معاليه الدكتور أنور قرقاش على أن الإمارات تعتزم مواصلة لعب دور بنّاء وواثق في التعامل مع المرحلة المقبلة، وقال إن جاهزية الدولة ساعدها على مواجهة تحديات المرحلة، وإن استقلاليتها الاستراتيجية منحتها القدرة على التعامل معها، فيما ستظل شراكاتها الدولية والتزامها بالحوار والاستقرار والتقدم عناصر أساسية في تحديد مسارها.

وأكد أن الأشهر الستة الماضية شكّلت اختباراً حقيقياً للإمارات، لكنها خرجت منه «أكثر قوة، وأكثر وعياً بالمحيط الإقليمي من حولنا، وأكثر تصميماً على المستقبل الذي ننوي تحقيقه».

Advertisements

قد تقرأ أيضا